فخر الدين الرازي

214

تفسير الرازي

السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ، ثم بعث علياً خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي ، وقال : " لا يؤديها إلا رجل مني " وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية . والجواب : إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة ، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي . وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه . المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، في توريث ذوي الأرحام ، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله : * ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) * مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية ، فلما قال : * ( في كتاب الله ) * كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه ، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه ، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات . فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام . ثم قال في ختم السورة : * ( إن الله بكل شيء عليم ) * والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح ، وليس فيها شيء من العبث والباطل ، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب . ونظيره أن الملائكة لما قالوا : * ( أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ) * قال مجيباً لهم : * ( إني أعلم ما لا تعلمون ) * ( البقرة : 30 ) يعني لما علمتم كوني عالماً بكل المعلومات ، فاعلموا أن حكمي يكون منزهاً عن الغلط كذا ههنا . والله أعلم . تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر ، كما هو أهله ومستحقه . يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان . ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان ، وكيد أهل البغي والخذلان ، إنه الملك الديان . وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن ، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان .